جلال الدين السيوطي
48
الإتقان في علوم القرآن
والثاني : أنّ الماء إذا طبّقت عليه كفّك لتحفظه لم يحصل فيه شيء ، فكذلك الدنيا . وقوله : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [ النور : 35 ] الآية . فشبّه نوره الّذي يلقيه في قلب المؤمن بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة ، إمّا بوضعه في مشكاة وهي الطاقة التي لا تنفذ ، وكونها لا تنفذ لتكون أجمع للبصر ، وقد جعل فيها مصباح في داخل زجاجة تشبه الكوكب الدريّ في صفائها ، ودهن المصباح من أصفى الأدهان وأقواها وقودا ، لأنه من زيت شجر في أوسط الزجاج ، لا شرقيّة ولا غربيّة ، فلا تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار ، بل تصيبها الشمس أعدل إصابة . وهذا مثل ضربه اللّه للمؤمن . ثم ضرب للكافر مثلين : أحدهما : كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ والآخر : كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ . . . إلى آخره ، وهو أيضا تشبيه تركيب « 1 » . الثالث : ينقسم باعتبار آخر إلى أقسام « 2 » : أحدها : تشبيه ما تقع عليه الحاسّة بما لا تقع ، اعتمادا على معرفة النقيض والضدّ ، فإنّ إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسّة ، كقوله : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [ الصافات : 65 ] ، شبّه بما لا يشكّ أنّه منكر قبيح ، لما حصل في نفوس الناس من بشاعة صورة الشياطين ، وإن لم ترها عيانا . الثاني : عكسه ، وهو تشبيه ما لا تقع عليه الحاسّة بما تقع عليه ، كقوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [ النور : 39 ] أخرج ما لا يحسّ - وهو الإيمان - إلى ما يحسّ وهو السراب ، والمعنى الجامع : بطلان التوهّم ، مع شدّة الحاجة وعظم الفاقة . الثالث : إخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت ، كقوله تعالى : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ [ الأعراف : 171 ] . والجامع بينهما الارتفاع في الصّورة . الرابع : إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها ، كقوله : وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ الحديد : 21 ] . والجامع العظم ، وفائدته : التّشويق إلى الجنّة بحسن الصفة وإفراط السّعة . الخامس : إخراج ما لا قوّة له في الصفة إلى ما له قوّة فيها ، كقوله تعالى :
--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 422 - 423 ، والأمثال لابن القيم ص 189 - 198 . ( 2 ) انظر البرهان 3 / 421 .